
بداية مختلفة مع مدرب جديد
مع انطلاقة موسم جديد في الدوري الإنجليزي الممتاز يبدو أن توتنهام هوتسبير يعيش مرحلة تحول بقيادة مدربه الجديد توماس فرانك الذي أظهر في أول ثلاث مباريات فقط مرونة تكتيكية لافتة تختلف كثيراً عن سلفه أنجي بوستيكوغلو. جمهور السبيرز اعتاد أن يتحلى بالحذر وألا ينساق وراء البداية القوية بعد أن سبق لبوستيكوغلو أن حقق ثمانية انتصارات وتعادلين في أول عشر مباريات له ثم تراجع الفريق لاحقاً، ومع ذلك فإن الأمل مشروع والحماس مبرر لما يقدمه فرانك من إشارات واضحة على أن فلسفته مختلفة
الفرق بين بوستيكوغلو وفرانك
بوستيكوغلو كان معروفاً بنهجه المثالي الثابت حيث رفض تغيير أسلوبه حتى في أصعب اللحظات، أما فرانك فقد أظهر منذ البداية أنه مدرب براغماتي يعرف كيف يقرأ خصومه وكيف يعدل أسلوب فريقه وفقاً للظروف، وهذه القدرة على التكيف هي التي تجعل بدايته تحظى بالاهتمام. في ثلاث مباريات فقط شاهدنا ثلاثة أنماط مختلفة من اللعب، كلها مترابطة وتعكس عقلية مدرب يعرف كيف يدمج بين المرونة والانضباط
مباراة باريس سان جيرمان: تكتيك 3-5-2
في أول اختبار له واجه فرانك بطل دوري أبطال أوروبا باريس سان جيرمان في السوبر الأوروبي واختار الدخول بخطة 3-5-2 تعتمد على الصلابة الدفاعية والضغط العالي والاعتماد على المرتدات عبر محمد كودوس وريتشارليسون. الفريق تحول إلى 5-4-1 عند فقدان الكرة وأجبر لاعبيه على التراجع الجماعي، في الوقت نفسه كان هناك شجاعة في الضغط من الأمام لإرباك دفاع باريس. الأهداف جاءت من كرات ثابتة في صورة تذكر بماضي فرانك مع برينتفورد حيث اشتهر بإتقان الكرات الثابتة. هذه المباراة رغم أنها انتهت بركلات الترجيح إلا أنها تركت انطباعاً بأن فرانك قادر على منح الفريق هوية تكتيكية جديدة
مواجهة بيرنلي: السيطرة بالاستحواذ
التحول الكبير جاء في أول مباراة بالدوري ضد بيرنلي، حيث انتقل فرانك إلى خطة 4-2-3-1 وغيّر خط الوسط تماماً، فأشرك الثنائي الشاب لوكاس بيرغفال وآرشي غراي بدلاً من جواو بالينيا ورودريغو بنتانكور، والنتيجة كانت استحواذاً بلغ 67 بالمئة بعد أن كان 30 بالمئة فقط ضد باريس. توتنهام لعب بأسلوب هجومي منظم يعتمد على التمريرات القصيرة والانتشار الواسع، حيث تحول كودوس إلى جناح أيمن تقليدي بينما لعب ريتشارليسون كمهاجم صريح، وبفضل جودة الوسط الجديد تمكن الفريق من كسر التكتل الدفاعي لبيرنلي بسهولة. هذه المرونة أعطت إشارة واضحة للجماهير أن المدرب الجديد يعرف كيف يتعامل مع الفرق الصغيرة وليس فقط مع الكبار
الانتصار على مانشستر سيتي: خطة هجينة
الاختبار الأكبر كان في ملعب الاتحاد ضد مانشستر سيتي، حيث طبق فرانك مزيجاً من الأسلوبين السابقين. الفريق لعب بخطة 4-2-3-1 لكن بأسلوب ضغط عالٍ رجل لرجل، ما أربك كتيبة غوارديولا وأجبرهم على ارتكاب الأخطاء. الهدف الأول جاء نتيجة ضغط مباشر على الحارس، فيما جاء الهدف الثاني من كرة طويلة أربكت دفاع السيتي. خط الوسط بقيادة جواو بالينيا وبيبي سار كان مفتاح التفوق، حيث نجحا في إيقاف مفاتيح لعب السيتي بفضل القوة البدنية والانضباط التكتيكي. هذا الانتصار كان بمثابة بيان قوي أن توتنهام تحت قيادة فرانك ليس فريقاً يمكن التنبؤ به بسهولة
ما يميز توماس فرانك
السر في أسلوب فرانك هو الجمع بين المرونة والانضباط، فهو لا يتردد في تغيير تشكيلته ولا في تعديل مراكز لاعبيه من مباراة لأخرى، ومع ذلك يحافظ على هوية الفريق الجماعية. فريقه يعرف كيف يدافع بكتلة متأخرة وكيف يضغط في مناطق متقدمة، يعرف كيف يلعب على المرتدات وكيف يستحوذ على الكرة، يعرف متى يستخدم الكرات الطويلة ومتى يلجأ إلى التمريرات القصيرة المنظمة. هذه القدرة على المزج بين الأساليب تجعل الخصوم دائماً في حالة ارتباك، وهو ما افتقده الفريق في عهد بوستيكوغلو الذي كان يُتهم دوماً بالاعتماد على خطة واحدة فقط
التحديات المقبلة
المباراة المقبلة ضد بورنموث ستكون اختباراً من نوع آخر، فالفريق المنافس يعتمد على التحولات السريعة وقد يستغل اندفاع توتنهام، لذلك يتوقع أن يُجري فرانك تعديلات جديدة لتجنب المفاجآت. هنا سيُختبر ذكاء المدرب في كيفية إيجاد التوازن بين الضغط العالي وعدم ترك المساحات خلف الدفاع. إذا نجح في ذلك فإن الآمال بقدرة الفريق على المنافسة على مقعد في دوري أبطال أوروبا ستصبح أكبر وأكثر واقعية
الجماهير بين الحلم والواقعية
جماهير توتنهام التي عاشت سنوات طويلة من خيبات الأمل بين وعود لم تتحقق وأحلام تبخرت، ترى اليوم في فرانك فرصة جديدة للعودة إلى القمة. البعض يرى أنه من المبكر الحكم عليه بعد ثلاث مباريات فقط، لكن من حق الجماهير أن تحلم وأن تنجرف وراء البداية القوية، فهكذا تكون كرة القدم، لعبة مشاعر قبل أن تكون مجرد نتائج
الخاتمة
إن بداية توماس فرانك مع توتنهام هوتسبير تمنح مؤشرات واضحة على أن الفريق يسير نحو مرحلة جديدة قوامها المرونة التكتيكية والقدرة على التكيف مع مختلف الخصوم. إذا استمر الفريق في تقديم هذه المستويات المتنوعة وحقق التوازن بين الدفاع والهجوم فإن طموح العودة إلى دوري أبطال أوروبا قد يصبح حقيقة، وربما يتجاوز ذلك إلى حلم أكبر. ما هو مؤكد أن فرانك لن يُتهم أبداً بالجمود التكتيكي، فهو مدرب يعرف كيف يفاجئ الجميع ويجعل من السبيرز فريقاً غير متوقع