
خلفية الحادثة
شهد ملعب أليانز في تورينو ليلة من الجدل بعد أن تحوّل فوز يوفنتوس على بارما بهدفين دون رد إلى قضية أكبر من مجرد ثلاث نقاط في الدوري الإيطالي، فقد كان اللاعب الأمريكي ويستون ماكيني ضحية لهتافات عنصرية من بعض مشجعي بارما الذين بقوا في مدرجات الفريق الضيف بعد نهاية اللقاء. ماكيني الذي شارك لدقيقتين فقط في المباراة واصل تدريباته مع زملائه غير المشاركين، وهناك تلقى عبارات مسيئة ذات طابع عنصري أثارت موجة استنكار واسعة
موقف يوفنتوس الرسمي
نادي يوفنتوس أصدر بياناً شديد اللهجة أكد فيه أنّه يدين بأقوى العبارات أي شكل من أشكال العنصرية، وأوضح أن النادي سيتعاون مع الجهات القضائية الرياضية لتحديد هوية المتورطين في هذه الأفعال، كما أكد البيان أنّ الملعب يجب أن يبقى مساحة للتشجيع والاحترام وليس مكاناً للكراهية والإقصاء
رد فعل بارما
لم يتأخر نادي بارما بدوره في إظهار موقف واضح، إذ نشر بياناً رسمياً جاء فيه أنّ النادي يدين بشدة أي تصرف عنصري سواء داخل الملعب أو خارجه، وشدد الرئيس كايل كراوز على أنّ بارما ملتزم تماماً بزرع ثقافة تقوم على الاحترام والمساواة والشمول، وهي رسالة أراد النادي إيصالها ليس فقط لجماهيره بل لكل محبي كرة القدم الإيطالية
السياق التاريخي للعنصرية في الدوري الإيطالي
قضية ماكيني ليست الأولى في ملاعب الكالتشيو، فالسنوات الأخيرة شهدت حوادث مشابهة طالت عدداً من النجوم الأفارقة والأمريكيين اللاتينيين، مثل ماريو بالوتيلي وروميلو لوكاكو وصامويل إيتو من قبل، حيث تحولت الهتافات العنصرية إلى ظاهرة مقلقة تضرب سمعة الدوري الإيطالي، ورغم العقوبات والغرامات التي فرضها الاتحاد الإيطالي لكرة القدم إلا أنّ الظاهرة ما زالت متكررة مما يثير التساؤلات حول فعالية الإجراءات المتخذة
دور الإعلام في تسليط الضوء
وسائل الإعلام الإيطالية والأوروبية لعبت دوراً كبيراً في فضح هذه الممارسات، إذ لم يعد الصمت ممكناً في ظل انتشار الفيديوهات على مواقع التواصل الاجتماعي، ومع ذلك يرى كثير من الخبراء أنّ التركيز الإعلامي ينطفئ سريعاً بعد أيام من الحادثة ليعود المشهد إلى طبيعته دون تغييرات جذرية، وهو ما يعيد إنتاج نفس المشكلة في مناسبات لاحقة
موقف اللاعبين وزملاء ماكيني
زملاء ماكيني في يوفنتوس أظهروا تضامناً كبيراً معه، حيث أكد القائد أنّ الفريق يقف خلف أي لاعب يتعرض للتمييز، كما كتب بعض اللاعبين على حساباتهم في إنستغرام رسائل تدعو لمكافحة العنصرية وتؤكد أن كرة القدم للجميع دون استثناء، هذه المواقف الرمزية قد تكون مهمة على المستوى المعنوي لكنها لا تكفي وحدها لإحداث تحول ملموس إذا لم تترافق مع سياسات صارمة
مقارنة مع دوريات أخرى
إذا قارنا الوضع في إيطاليا مع إنجلترا على سبيل المثال، نجد أنّ الدوري الإنجليزي الممتاز اعتمد حملة “No Room for Racism” وأطلق برامج توعية واسعة، كما تم تطبيق عقوبات مشددة تصل إلى منع الجماهير من دخول الملاعب لفترات طويلة، أما في إيطاليا فما تزال القرارات متفاوتة وأحياناً متساهلة، وهو ما يدفع كثيراً من المراقبين إلى القول إن الاتحاد الإيطالي يحتاج إلى إرادة سياسية ورياضية أقوى لمواجهة هذه الآفة
أبعاد اجتماعية وثقافية
العنصرية في الملاعب ليست مشكلة رياضية فحسب، بل هي انعكاس لظواهر اجتماعية وثقافية أوسع، إذ يرى علماء الاجتماع أن الملاعب تصبح في بعض الأحيان منصات يفرغ فيها الأفراد مشاعرهم السلبية أو مواقفهم السياسية المتطرفة، لذلك فإن معالجة المشكلة تتطلب تعاوناً بين الأندية والاتحاد والسلطات التعليمية والإعلامية، فالقضية تتعلق بثقافة عامة أكثر من كونها حادثاً فردياً
مسؤولية الجماهير
الجماهير هي قلب كرة القدم وروحها، ومن هنا فإن على مشجعي الأندية دوراً محورياً في محاربة العنصرية، فإذا قرر المشجعون أنفسهم رفض هذه الممارسات وعزل من يقوم بها فإن المشكلة ستتقلص بشكل كبير، لكن الصمت أو التبرير يجعل الظاهرة تتواصل، ومن هنا جاءت دعوات كثيرة لجماهير بارما بالتبرؤ من هؤلاء القلة التي أفسدت صورة النادي
الخطوات المقبلة
ما ينتظر الجميع الآن هو القرارات التي سيتخذها الاتحاد الإيطالي بحق المتورطين، وهل ستكون العقوبات رادعة بما يكفي، أم أنّ الأمر سينتهي بغرامة مالية بسيطة كما حدث في حوادث سابقة، كثير من المدافعين عن حقوق الإنسان يطالبون بإجراءات أكثر جرأة مثل خصم نقاط من الفرق أو إقامة المباريات دون جمهور حتى تصل الرسالة بوضوح
استنتاج
حادثة ماكيني أعادت إلى الواجهة سؤالاً جوهرياً: هل تكفي البيانات والإدانات لإيقاف العنصرية أم أنّ المطلوب هو فعل حقيقي على الأرض، الإجابة تبدو واضحة عند كثيرين، فالملاعب يجب أن تبقى مساحات للتنوع والاحترام، وأي تهاون مع السلوكيات العنصرية سيقوض القيم التي تقوم عليها كرة القدم
الخاتمة
إن ما جرى في ملعب أليانز بتورينو ليس حادثة معزولة، بل حلقة جديدة في سلسلة طويلة من التمييز العنصري الذي يضرب الكرة الإيطالية، والرسالة التي يجب أن يلتقطها الجميع أنّ الصمت لم يعد خياراً، فإذا أراد الاتحاد الإيطالي والأندية المحافظة على صورة الدوري ومكانته بين الدوريات الكبرى فعليهم مواجهة العنصرية بحزم وجرأة، لأن كرة القدم يجب أن تبقى لعبة للجميع بلا تفرقة ولا كراهية